السبت 13 من جمادى الآخرة 1430 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده .. وصلى الله على من لا نبي بعده .. وعلى آله وصحبه .. وسلم تسليما كثيرا .. وبعد
إن من النعم العظيمة التي حُرمها كثير من المسلمين .. نعمة السكينة والطمأنينة .. أعني سكونَ النفس عند من تحب .. وأُنسها بمحبوبها وتودُدها إليه .. وهذه – والله – من أعظم لذات الدنيا .. بل تكاد لا تعدِلـُها لذة .. أن يجد الإنسان من تأنس إليه روحه إذا جلس إليه .. ويشتاق له إذا كان بعيدا عنه ..

وأعظم ما يعانيه المسلمون في بيوتهم – مما يُفقدهم هذه السكينة – التفكك الذي يحياه كثيرٌ منهم .. سواء على مستوى الأسر .. أو على مستوى المجتمعات .. لضياع التربية بشكل كبير .. فلا والدٌ يحنو على ولده .. ويوجهه ويرشده .. ولا ولد يعترف لأبويه بالفضل – بعد الله – في تنشئته وتعليمه وتربيته .. ولو في حدود قدراتهم المتواضعة ..
وهذا التفكك المخيف جعل كثيرا من بيوتات المسلمين أشبه ما تكون بخرابات تحوم حولها غربان الأحقاد والنفرة والكراهية .. حتى لا تكاد ترى أحدا يرضى عن أحد .. فضلا عن أن يشعر بأمان أو طمأنينة في هذه البيوت .. وهو ما يحرم أكثر الناس من الحياة الطيبة ..
وقد تعيا بالتأمل في هذا الوضع المحزن .. لأنك لا تدري على من تقع تـَبـِعات هذه الأوضاع .. فإن ألقيتَ اللوم على الآباء وجدت ما يحول بينك وبين ذلك .. من كونهم لم يقصروا في التربية والتوجيه .. في حدود ما تعلموه هم من آبائهم .. وما لاقوه في فترات طفولتهم من أساليب تربوية غير صحيحة .. أدت في معظم الأحيان إلى وقوعهم في تشوهات نفسية وخُلـُقية تصل إلى حد العاهة أو الإعاقة .. التي يصعُبُ معها علاج أو حل ..
وبالتالي فإن كثيرا من الآباء قد يَحْسُنُ بنا أن نتلمس لهم المعاذير من هذا الوجه .. لكنهم – في نفس الوقت – مسؤولون مُحاسبون أمام ربهم .. فإن الله سائِلٌ كل راع عما استرعاه حَفِظَ أم ضيع .. والله لا يكلف نفسا إلا وسعها .. فمادام أنه أخبر على لسان نبيه – صلى الله عليه وسلم – بهذه المسؤولية عموما .. بل ونص عليها خصوصا فقال : " والرجل في أهل بيته راع وهو مسؤول عن رعيته " .. أقول : مادام أن الله قد حمّل الآباء هذه المسؤولية .. فإنها – بلا شك – في حدود قدراتهم واستطاعتهم .. فإن الله قال : " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " ..
وإذا كان الآباء حريصين على أن يَكِدُّوا ويتعبوا في سبيل تحصيل الطعام والشراب لأبنائهم .. حتى يحافظوا بذلك على نموهم الجسدي .. فإنه ينبغي أن يكون عندهم نفس الحرص – إن لم يكن أشد – على النمو النفسي والروحي لأبنائهم .. ووقايتهم من التشوهات النفسية التي قد يكون بعضهم تعرض لها في صغره .. وإلا فإن البهائم تُطعِمُ أطفالها وتسقيهم .. بما أودعه الله فيها من غريزة حب البقاء ..
وقد أدى تقصير كثير من الآباء في هذا الجانب إلى تفكك أسرهم وانهيارها في كثير من الأحيان .. لأن الأبناء لا يجدون السكينة والطمأنينة في البيت .. ولا يذوقون طعما للحياة الطيبة .. وهذه نعمة عظيمة قد لا يشعر بقدرها إلا من حُرمها .. ولا أدل على ذلك من أن يمتن الله عزوجل على عباده بسكينة البيوت في قوله : " والله جعل لكم من بيوتكم سكنا " ..
ولذلك فقد اعتادت كثير من البيوت على أن يهرب منها الأبناء .. فرارا مما قد يجدونه من الجفاف التربوي .. والتصحر العاطفي .. وهم – والله – مساكين .. فينخدعون بكلام معسول .. أو عبارات تدغدغ العواطف من هنا أو هناك .. شبابا كانوا أو فتيات .. ويظنون بذلك أنهم قد حصلوا ما فقدوه في بيوتهم من حياة طيبة .. وليس هذا تبريرا لهم على مخالفة أمر الله عزوجل والوقوع فيما ي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ